رعشة ما بعد الولادة: لماذا يرتجف الجسم بعد الولادة وهل هي خطيرة؟

رعشة ما بعد الولادة - لماذا يرتجف جسمك بعد وضع طفلك؟

تُعد "رعشة ما بعد الولادة" (Postpartum Chills) ظاهرة فسيولوجية شائعة جداً ومفاجئة للأمهات الجدد، حيث تدخل الأم فور ولادة طفلها في نوبة من الارتجاف القوي واصطكاك الأسنان غير الإرادي، رغم أنها قد لا تشعر بالبرد فعلياً. تُعرف هذه الحالة طبياً بـ "نفضة ما بعد الولادة"، وهي استجابة طبيعية تماماً للجسم بعد المجهود الجبار الذي بذله، ولا تدل عادةً على وجود مشكلة خطيرة. في هذا الدليل، نشرح لكِ الأسباب العلمية وراء هذه الرعشة وكيفية التعامل معها بهدوء.

حقائق سريعة 📋

  • 👩‍⚕️ مدى الانتشار: تصيب حوالي 50% من النساء بعد الولادة (الطبيعية والقيصرية).
  • ⏱️ التوقيت: تبدأ عادة خلال ساعة من الولادة وتستمر لدقائق أو ساعة.
  • 🌡️ الحرارة: هي "رعشة بدون حمى". إذا ارتفعت الحرارة فوق 38، هنا يكمن الخطر.
  • 💉 التخدير: شائعة جداً بعد إبرة الظهر (الإيبيدورال).
  • التصنيف: حالة مؤقتة وغير ضارة بالجسم أو بالطفل.

ما هي رعشة ما بعد الولادة وكيف تحدث؟

رعشة ما بعد الولادة هي رد فعل جسدي عنيف يتمثل في اهتزاز لا إرادي للعضلات، قد يشمل الجسم كله أو يتركز في الفخذين والظهر، مع اصطكاك الأسنان. تحدث هذه الحالة سواء كانت الولادة طبيعية أو قيصرية، وتكون نتيجة لمحاولة الجسم إعادة ضبط "منظم الحرارة الداخلي" والتعامل مع التغيرات المفاجئة التي حدثت لحظة خروج الطفل والمشيمة.

أثناء الحمل، يعمل جسمك بمعدل أيض (حرق) مرتفع وتكون درجة حرارتك أعلى قليلاً من المعتاد بسبب وجود الجنين. بمجرد الولادة، يفقد الجسم مصدراً كبيراً للحرارة (الطفل والمشيمة والسائل الأمنيوسي) وكمية من السوائل والدم، مما يرسل إشارات للدماغ بأن الجسم يبرد بسرعة، فيقوم الدماغ بإعطاء أوامر للعضلات بالارتعاش لتوليد الحرارة والتدفئة، حتى لو كان الجو في الغرفة دافئاً.

لا تعتبر هذه الرعشة مرضاً بحد ذاتها، بل هي عرض مؤقت لعملية بيولوجية معقدة. إنها طريقة جسمك في قول "لقد انتهيت من عمل شاق، وأحاول الآن العودة لوضعي الطبيعي". غالباً ما تكون الرعشة مزعجة ومخيفة للأم التي لا تتوقعها، لكنها تختفي تلقائياً بمجرد استقرار الدورة الدموية والهرمونات.

  • إعادة ضبط الحرارة: محاولة الجسم لتعويض الحرارة المفقودة فجأة بعد خروج الطفل.
  • الاستجابة العضلية: تقلصات سريعة ولا إرادية للعضلات تشبه الارتعاش من البرد القارس.
  • التوقيت الحرج: تحدث غالباً في "المرحلة الثالثة" من المخاض (بعد خروج المشيمة) أو في الساعة الأولى للتعافي.

الأسباب الطبيعية للرعشة

تتضافر عدة عوامل فسيولوجية لتسبب هذه الرعشة، ولا يوجد سبب واحد محدد، بل مجموعة من التغيرات الدراماتيكية التي تحدث في وقت قصير جداً. السبب الأول والأقوى هو "السقوط الهرموني". أثناء الولادة، تكون هرمونات الحمل (الإستروجين والبروجسترون) في قمتها، وبمجرد خروج المشيمة، تنهار مستويات هذه الهرمونات بشكل حاد ومفاجئ، مما يؤثر على الجهاز العصبي ويسبب الرعشة.

السبب الثاني يتعلق بـ "الأدرينالين". أثناء المخاض والولادة، يضخ جسمك كميات هائلة من الأدرينالين لمساعدتك على الدفع والتحمل. بعد الولادة، يتوقف هذا الضخ فجأة، وانسحاب الأدرينالين من الدم يترك العضلات في حالة من التوتر والتفريغ الطاقي الذي يظهر على شكل ارتعاش.

أيضاً، تلعب "سوائل الجسم" دوراً كبيراً. انتقال السوائل من الأنسجة إلى الأوعية الدموية، وفقدان كمية من الدم أثناء الولادة، يؤثر على الدورة الدموية ويجعل الأطراف تبرد قليلاً، مما يحفز رد فعل الارتعاش.

هناك نظرية طبية أخرى تشير إلى "تداخل دم الجنين". أثناء انفصال المشيمة، قد تتسرب كمية مجهرية من دم الجنين إلى دم الأم. ولأن دم الجنين غريب عن جسم الأم، يقوم الجهاز المناعي للأم بردة فعل فورية تشبه القشعريرة أو الرعشة، وتستمر لفترة قصيرة جداً.

  • التغير الهرموني الحاد: انخفاض مفاجئ في الهرمونات بعد خروج المشيمة يربك منظم حرارة الجسم.
  • انسحاب الأدرينالين: انتهاء حالة التأهب القصوى للجسم بعد انتهاء الولادة.
  • التخدير (إبرة الظهر): تسبب توسع الأوعية الدموية مما يزيد من فقدان الحرارة والشعور بالبرد والرعشة.
  • برودة الغرفة: غرف العمليات والولادة تكون باردة جداً عادةً للحفاظ على التعقيم وسلامة الأجهزة.

كيفية التعامل وتخفيف الرعشة

أهم خطوة في التعامل مع رعشة ما بعد الولادة هي "الطمأنينة". يجب أن تدركي وتدرك من حولك أن هذا أمر طبيعي وسينتهي قريباً. محاولة مقاومة الرعشة بشد العضلات قد تزيد من ألم الجسم لاحقاً، لذا يُنصح بالاستسلام لها ومحاولة الاسترخاء قدر الإمكان.

التدفئة الخارجية هي الحل الأسرع. في المستشفيات، عادة ما تقوم الممرضات بتغطية الأم ببطانيات ساخنة تم تدفئتها مسبقاً لهذا الغرض. الأغطية الثقيلة تساعد في تهدئة العضلات وتقليل فقدان الحرارة، مما يوقف الرعشة بشكل أسرع.

شرب السوائل الدافئة (إذا سمح الطبيب بذلك ولم تكن هناك نية لدخول عمليات أخرى) يساعد كثيراً. الشوربة الدافئة أو الأعشاب ترفع حرارة الجسم الداخلية وتعوض السوائل المفقودة، مما يسرع من استعادة التوازن.

تقنية "التلامس الجسدي" (Skin-to-Skin) مع طفلك ليست فقط للرضاعة، بل للتدفئة أيضاً. ضم الطفل لصدرك يرفع من مستويات هرمون الأوكسيتوسين (هرمون الحب) الذي يهدئ الجهاز العصبي ويقلل التوتر، كما أن حرارة جسم الطفل تعمل كمدفأة طبيعية صغيرة.

  • البطانيات الدافئة: اطلبي من الممرضة أغطية إضافية فور شعورك بالبرد.
  • المشروبات الدافئة: تناول رشفات من مشروب دافئ يساعد في رفع حرارة الجسم الداخلية.
  • الاسترخاء والتنفس: حاولي التنفس بعمق لتهدئة الجهاز العصبي وتقليل حدة الرجفة.
  • حضن الطفل: التلامس المباشر مع جلد الطفل ينظم حرارتكما معاً ويهدئ التوتر.

متى تكون الرعشة خطيرة؟ (تحذيرات)

رغم أن الرعشة في حد ذاتها طبيعية، إلا أنها قد تكون أحياناً العلامة الأولى لعدوى بكتيرية خطيرة إذا صاحبتها أعراض أخرى. الفيصل الرئيسي هنا هو "درجة الحرارة". الرعشة الطبيعية لا ترفع حرارة الجسم فوق المعدل الطبيعي، أما الرعشة المرضية فتكون مصحوبة بحمى.

إذا استمرت الرعشة لفترة طويلة بعد الولادة (أكثر من ساعتين)، أو عادت للظهور بعد أيام من العودة للمنزل، فهذا ليس طبيعياً. قد يشير ذلك إلى التهاب في بطانة الرحم (Endometritis)، أو التهاب في المسالك البولية، أو بداية حمى النفاس.

النساء اللواتي خضعن لولادة قيصرية أو ولادة متعسرة طويلة هن الأكثر عرضة لتحول الرعشة لعلامة التهاب. لذلك، يتم قياس العلامات الحيوية (الضغط والحرارة) بانتظام بعد الولادة للتفرقة بين الرعشة الفسيولوجية والرعشة الناتجة عن العدوى.

  • الحمى: إذا تجاوزت حرارتك 38 درجة مئوية مع الرعشة، يجب إبلاغ الطبيب فوراً.
  • الألم الشديد: ألم غير محتمل في البطن أو منطقة الجرح مع رائحة كريهة للإفرازات.
  • تأخر الظهور: الرعشة التي تظهر بعد أيام من الولادة تدل غالباً على التهاب الثدي أو الرحم.
  • أعراض أخرى: دوخة شديدة، صعوبة في التنفس، أو تسارع غير طبيعي في ضربات القلب.

الأسئلة الشائعة

هل تعني الرعشة أنني أصبت بالبرد أثناء الولادة؟

ليس بالضرورة. على الرغم من أن غرف الولادة باردة، إلا أن السبب الرئيسي للرعشة هو التغيرات الهرمونية والجسدية الداخلية، وليس فقط درجة حرارة الغرفة.

نصيحة عملية: اطلبي تغطية أطرافك وجوارب ثقيلة قبل بدء الولادة لتقليل فقدان الحرارة.

كم تستمر هذه الرعشة عادة؟

تختلف من امرأة لأخرى، لكنها غالباً ما تبدأ بعد الولادة مباشرة وتستمر لفترة تتراوح بين 15 دقيقة إلى ساعة واحدة كحد أقصى حتى يستقر الجسم.

نصيحة عملية: لا تقلقي من الوقت، ركزي على تدفئة نفسك وستزول تلقائياً.

هل تزيد إبرة الظهر (الإيبيدورال) من حدة الرعشة؟

نعم، الدراسات تشير إلى أن النساء اللواتي يأخذن تخدير إيبيدورال أكثر عرضة للرعشة، لأن التخدير يوسع الأوعية الدموية ويؤثر على قدرة الجسم على تنظيم الحرارة.

نصيحة عملية: كوني مستعدة لطلب بطانيات إضافية فور أخذ حقنة التخدير.

هل تؤثر الرعشة على قدرتي على إمساك طفلي؟

إذا كانت الرعشة عنيفة جداً، قد تجدين صعوبة في تثبيت يديك. في هذه الحالة، اطلبي المساعدة من زوجك أو الممرضة لتثبيت الطفل أثناء وضعه على صدرك.

نصيحة عملية: يمكنك إرضاع الطفل وأنت مستلقية على جنبك لتجنب الحاجة لحمله بالكامل أثناء الرعشة.

هل الرعشة تحدث فقط في الولادة القيصرية؟

لا، تحدث في الولادة الطبيعية والقيصرية على حد سواء. الفرق أن الأم في القيصرية تكون تحت تأثير تخدير أقوى وتكون في غرفة عمليات أشد برودة، مما قد يجعل الرعشة أوضح.

نصيحة عملية: التدفئة السريعة هي العلاج في الحالتين.

هل يمكن أخذ دواء لإيقاف الرعشة؟

في الغالب لا تحتاجين لأدوية لأنها حالة مؤقتة. في حالات نادرة جداً وشديدة، قد يعطي طبيب التخدير دواءً بسيطاً (مثل بيثيدين) للمساعدة، لكن التدفئة الطبيعية هي الأفضل.

نصيحة عملية: تجنبي الأدوية قدر الإمكان لبدء الرضاعة الطبيعية بوعي كامل.

هل تشير الرعشة لنقص في الكالسيوم أو السكر؟

ليس بالضرورة، لكن المجهود العضلي الكبير أثناء الولادة يستهلك طاقة الجسم. الرعشة غالباً ما تكون بسبب الهرمونات والحرارة وليس نقص الفيتامينات المباشر.

نصيحة عملية: تناولي وجبة خفيفة أو عصيراً بعد الولادة مباشرة لتعويض الطاقة.

هل تؤذي الرعشة جرح العملية القيصرية؟

الرعشة العنيفة قد تسبب ألماً في مكان الجرح بسبب اهتزاز عضلات البطن، لكنها لا تؤدي لفتح الجرح لأن الخياطة تكون قوية.

نصيحة عملية: ضعي وسادة ناعمة واضغطي برفق على مكان الجرح لتقليل الاهتزاز والألم.

هل التوتر والخوف يسببان الرعشة؟

نعم، العامل النفسي وتفريغ شحنة التوتر والخوف بعد انتهاء الولادة يساهم في حدوث "رجفة الأدرينالين".

نصيحة عملية: تحدثي مع من حولك وعبري عن مشاعرك للمساعدة في تفريغ التوتر.

متى يجب أن أقلق بعد العودة للمنزل؟

إذا شعرتِ برعشة مفاجئة مصحوبة بتعب عام، حمى، أو ألم في الثدي أو البطن، فهذه علامة التهاب وليست رعشة ولادة طبيعية.

نصيحة عملية: احتفظي بميزان حرارة في المنزل وقيسي حرارتك إذا شعرتِ بأي قشعريرة.

إخلاء مسؤولية طبي: المعلومات الواردة في هذا المحتوى هي لأغراض التوعية الصحية فقط وتستند إلى الحقائق العلمية العامة حول الولادة، ولكنها لا تغني بأي حال من الأحوال عن استشارة الطبيب. كل حالة ولادة لها ظروفها الخاصة، لذا يجب الرجوع للطاقم الطبي فوراً عند الشعور بأي أعراض غير طبيعية أو ارتفاع في درجة الحرارة.

آخر تحديث: يناير 2026

عن الكاتب

الدكتور أحمد باكر، دكتور صيدلة

هو صيدلي أول ومثقف صحي يتمتع بخبرة واسعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يهدف الدكتور أحمد من خلال كتاباته إلى تمكين المجتمعات من خلال توفير معلومات صحية موثوقة تستند إلى الأدلة العلمية. بفضل خبرته في الصيدلة السريرية والشؤون التنظيمية، يسعى لتقديم رؤى فريدة حول الرعاية الصحية وتبسيط المفاهيم الطبية المعقدة لجعلها في متناول الجميع.

الدكتور أحمد باكر

إخلاء المسؤولية القانونية

المعلومات المقدمة في هذه المدونة هي لأغراض تعليمية فقط ولا تعتبر بديلاً عن المشورة الطبية المتخصصة. لا نضمن دقة أو اكتمال المعلومات المتعلقة بالأدوية أو المستحضرات الطبية، ويجب التحقق من المصادر الرسمية قبل اتخاذ أي قرارات. باستخدام هذه المدونة، فإنك توافق على تحمل المسؤولية الشخصية عن الاعتماد على المعلومات المقدمة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ماذا أفعل إذا لم أستطع الإحساس بالخيط أو شعرت أنه أطول/أقصر من المعتاد؟

لايفوترايبوكس Lifotribox لتعزيز الحيوية الذكورية والطاقة الطبيعية

ما هي حبوب منع الحمل المناسبة لفترة الرضاعة؟